عبد الملك الجويني

43

الشامل في أصول الدين

قيل لهم : وكذلك جملة الأعراض عندنا ، يجوز تقدير انتقالها مع ثبوت أبدالها . ثم نقول : من الإسلاميين من يجوّز عروّ الجواهر عن الأعراض ، فما وجه ردكم عليهم ؟ ومن شرط الدلالة أن تشتمل على جملة أقسام الكلام . وللخصم شبه تتشعب عما ذكرناه . وفي الجواب عما قدمناه انفصال من كل شيء يوردونه . مسألة [ تشابه الجواهر ] الجواهر متجانسة عند أهل الحق ، وإليه صار كافة المعتزلة . وخالف النظام في ذلك ، فلم يحكم بتماثل الجواهر إلا إذا تماثلت أعراضها . وبنى قوله ذلك على ما سبق منه حيث قال : إن الجواهر أعراض مجتمعة ، ثم إذا كان من الأعراض ما يختلف ، والجوهر هو الأعراض ، فلا يجوز القطع بحكم التماثل فيه . وسبيل الكلام في هذه المسألة أن نقسم القول على الخصم أولا ، فنقول : هل تثبت الجواهر أغيارا للأعراض ؟ فإن زعم أنها الأعراض بأنفسها ، نقلنا الكلام إلى المسألة السابقة ، وأوضحنا غرضنا فيها . فإذا ثبت لنا هذا الأصل ، مهدنا بعده التماثل وحقيقته وما يعقبه به ، فقلنا : المثلان الموجودان مستويان في جملة الأوصاف النفسية فيما يجب منها وما يجوز ، على ما ستأتي حقيقة المثلين في باب مفرد إن شاء اللّه . ومما نحتاج إلى تمهيده قبل ، نصب الدلالة الواضحة على إثبات الأعراض ، وسيأتي استقصاء ذلك إن شاء اللّه . فإذا تمهدت القواعد قلنا : من مذهب الخصم أن الهواء يخالف النار ، وذلك باطل عند التحقيق ، فإنه إن عنى بذلك أن أعراض النار ، وهي حرارتها ، ولونها المخصوص إلى غير ذلك من صفاتها ، تخالف أعراض الهواء فذلك مسلم ، لا منازعة فيه . فإنا لم نخالف في اختلاف بعض الأعراض . وإن عنى الخصم بالاختلاف أن جوهر الهواء في نفسه بخلاف جوهر النار ، كان ذلك مستحيلا ، إذ الجوهران متساويان في صفتي نفسيهما ، إذ كل واحد منهما يجب له التحيز وقبول الأعراض على الجملة . ويجوز تقدير قيام أوصاف النار وأعراضها بالهواء ، فإن من أخص أعراض النار حرارتها . ولا يبعد أن يحمي الهواء ، حتى يصير في مثل حرارة النار ، وكذلك لا يبعد أن يبدع اللّه سبحانه وتعالى في الهواء لون النار ، إذ ما يقبل لونا يقبل كل لون ، وكذلك لهيب النار واضطرامها مما لا يبعد تصويره في الهواء . فقد وضح بذلك جواز اتصاف الهواء بجميع أعراض النار ، واستبان أنه يجوز على كل واحد منهما ما يجوز على الآخر .